محمد بن جرير الطبري
53
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
قالت ، وذكرت هذه الآية أَوْ دَماً مَسْفُوحاً المحرم من اللحوم قلت : وإن البرمة ليرى في مائها الصفرة . وقد بينا معنى الرجس فيما مضى من كتابنا هذا ، وأنه النجس والنتن ، وما يعصى الله به ، بشواهده ، فأغنى عن إعادته في هذا الموضع . وكذلك القول في معنى الفسق ، وفي قوله : أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ قد مضى ذلك كله بشواهده الكافية من وفق لفهمه عن تكراره وإعادته . واختلفت القراء في قراءة قوله : إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً فقرأ ذلك بعض قراء أهل المدينة والكوفة والبصرة : إِلَّا أَنْ يَكُونَ بالياء مَيْتَةً مخففة الياء منصوبة على أن في يكون مجهولا ، والميتة فعل له فنصبت على أنها فعل يكون ، وذكروا يكون لتذكير المضمر في " يكون " . وقرأ ذلك بعض قراء أهل مكة والكوفة : " إلا أن تكون " بالتاء " ميته " بتخفيف الياء من الميتة ونصبها . وكأن معنى نصبهم الميتة معنى الأولين ، وأنثوا تكون لتأنيث الميتة ، كما يقال : إنها قائمة جاريتك ، وإنه قائم جاريتك ، فيذكر المجهول مرة ويؤنث أخرى لتأنيث الاسم الذي بعده . وقرأ ذلك بعض المدنيين : " إلا أن تكون ميتة " بالتاء في " تكون " ، وتشديد الياء من " ميتة " ورفعها ، فجعل " الميتة " اسم " تكون " ، وأنث " تكون " لتأنيث " الميتة " ، وجعل " تكون " مكتفية بالاسم دون الفعل ، لأنه قوله : " إلا أن تكون ميته " استثناء ، والعرب تكتفي في الاستثناء بالأسماء عن الأفعال ، فيقولون : قام الناس إلا أن يكون أخاك ، وإلا أن يكون أخوك ، فلا تأتي ليكون بفعل ، وتجعلها مستغنية بالاسم ، كما يقال : قام القوم إلا أخاك وإلا أخوك ، فلا يعتد الاسم الذي بعد حرف الاستغناء نفلا . والصواب من القراءة في ذلك عندي : إِلَّا أَنْ يَكُونَ بالياء مَيْتَةً بتخفيف الياء ونصب الميتة ، لأن الذي في " يكون " من السكني من ذكر المذكر ، وإنما هو : قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه ، إلا أن يكون ذلك ميتة أو دما مسفوحا . فأما قراءة " ميتة " بالرفع ، فإنه وإن كان في العربية غير خطأ فإنه في القراءة في هذا الموضع غير صواب ، لأن الله يقول : أَوْ دَماً مَسْفُوحاً فلا خلاف بين الجميع في قراءه الدم بالنصب ، وكذلك هو في مصاحف المسلمين ، وهو عطف على " الميتة " . فإذ كان ذلك كذلك ، فمعلوم أن الميتة لو كانت مرفوعة لكان الدم وقوله " أو فسقا " مرفوعين ، ولكنها منصوبة فيعطف بهما عليها بالنصب . القول في تأويل قوله تعالى : فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ . وقد ذكرنا اختلاف أهل التأويل في تأويل قوله : فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ . الصواب من القول فيه عندنا فيما مضى من كتابنا هذا في سورة البقرة بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع ، وأن معناه : فمن اضطر إلى أكل ما حرم الله من أكل الميتة والدم المسفوح أو لحم الخنزير ، أو ما أهل لغير الله به ، غير باغ في أكله إياه تلذذا ، لا لضرورة حالة من الجوع ، ولا عاد في أكله بتجاوزه ما حده الله وأباحه له من أكله ، وذلك أن يأكل منه ما يدفع عنه الخوف على نفسه بترك أكله من الهلاك لم يتجاوز ذلك إلى أكثر منه ، فلا حرج عليه في أكله ما أكل من ذلك . فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ فيما فعل من ذلك ، فسائر عليه بتركه عقوبته عليه ، ولو شاء عاقبه عليه . رَحِيمٌ بإباحته إياه أكل ذلك عند حاجته إليه ، ولو شاء حرمه عليه ومنعه منه . القول في تأويل قوله تعالى : وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ المحرم من اللحوم يقول تعالى ذكره : وحرمنا على اليهود